السبت، 13 أبريل 2019

تنهيدة

أسامح دائما، إلاّ من كان يعرف دواخلي، ولا يجد لي العذر وإن أخطأت.
أحبّ الجميع، ولا غيري يعلم أنّ الجميع هما غيم وصيف.

بقايا الخريف، حثالة حديث بين إثنين، أثره ناضج على كأس قهوةٍ لم يتخمر وجهها بعد.

سؤال الوجود، هي مشاهد مكرّرة في رأسٍ لم يغرهِ الظلامُ بعد بـ "التحرر"، كما لم يتدرب منذ نشأته المشي على الصراط، ليلبس العمامة وداخله زنديق.
سؤال الوجود، هو أن لا أرتاح النوم / لا أرتاحه عارية منّي / إلاّ بجانب أمّي، لتحرس جسدي من سكاكين القدر.
الفعل الوجودي الوحيد إلى حدّ اليوم، أنّني أفلحت الوجود خارج أسواري، لأصدح بي / ويسمعني أحدهم / ولا أخاف. 
2016/04/10




قد تحول جسمي إلى مكعب جليد. ورأسي من فوق يشتعل كجمرة. دمائي بحار من الدموع المالحات. وحنجرتي كهف تتدفأ داخله الأصوات وتحتسي وتضحك. الأسماء تجول
 بخاطري بسرعة الأنجم وتنتقل عبر السيالات فتلسعني. أفتح فاهي لأطلق صيحة قد طال اختناقها:
لعلي أسترد صوتي الضائع، فأستريح من تعب السكوت.
أستغيث السماوات بآعلاء صوتي، فيتشقق الجليد ويهديني الصدى:
الصفير، فالهواء، فالسكون.
أشاهد الطيور وهي تغادر أغصاني. أصيح ثم أتعب، ومن بعد الجهاد أعود لأصيح. فيخرج صوتي مبحوحا صدء: كناقوس هرم. كصرير باب قديم. كمدخنة مغلفة بتراب الأيام، قلبها يشتعل: أكرر أيامي. يتحول قلبي إلى رخام. وكسائي من اللحم يستحيل إلى كتلة من طين.
2018/03/22


غادة طيب بلقاسم

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2018

سباحة على الرصيف


لي في فهم الكلام ما ليس لكم في قوله
تجتمع النوايا مشكلة قوسا داكنا في السماء
وأنا في الأسفل أترجم كل ما لم يقال
من السهل على الريح المسافرة أن تعكر صفوي
تجرحني نبرة المتكلم: إذا ما كانت حادة
ويؤنسني صمت الخليقة وكفافها عني

أقف أمام فعل لا شيء رافعة سيفي
من الدموع ومن الأوجاع
كلمة بسيطة لا معنى لها..
لها أن تخلف كما هائلا
من الركام ومن العطش

كأني قد خلقت من "وهن"
لا "من صلصال من حمإ"
خلقت شفافة ومختفية
وزادت الأيام فأنهكت أضلعي
باللحم .. وبغبار الرحيل
وبتبدل الوجوه
وبتقلبات الطقس المجنون

خلقت على اليابسة في يوم كان حر
لا أحب من البحر غير رائحته
لا أبحث في موجه عن المتعة
لم أتعلق بالقش.. يوما
لكنني تعلقت بالغرقى
لأسبح في النهاية
في مالح عبراتي.
غادة الطيب بلقاسم
25 سبتمبر 2018

لوحة من أعمال التشكيلي نذير نبعة

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

كلام من حميم

صورة للفنان التشكيلي الليبي معتوق أبوراوي

الكلمات.. لا تعدو أن تكون مخلوقات طفيلية غرست في أحشائنا وجعلت لها منبت وجذور. منها الطيب وبعضها الآخر سام. أما النوع الأول فنادر. والثاني طبعا فسريع النمو والانتشار، وعندما يتعاظم حجمه يتم اقتلاعه بواسطة حبال غليظة ومتينة، ليخرج علينا كخلية نحل قصد الفتك بنا حتى الموت. يذكرني الحبل بلعبة يحاول فيها القوي جذب الأضعف منه لساحته، ليقعا في النهاية بكيفية يكون فيها المنتصر جاثيا على ركبتيه، أو على بطنه إذا ما أبدى الخصم مقاومة أكبر، أما المهزوم فيكون طريح الظهر منكسر اليدين على وجهه مواصلا الدفاع عن نفسه حتى بعد إعلان الهزيمة. هي لعبة الساحات وعرض للقوى، كأن يشد كل حبل كلمة إلى الخارج فترتطم بأول وجه يصادفها وتصفعه، كسمكة دفعت غصبا من حوض الماء إلى ساحة تجهلها ولا تستطيع فيها ابتلاع أنفاسها، حتما ستستقبل أول شيء ترتطم به بالصفع لا بالقبلات. هي ذات القواعد في لعبة الكلمات، يندفع مركب لاذع نحو الخارج، فيما تنزلق الكلمات الدافئة نحو الداخل، تنزلق هكذا وتتبخر من ضعفها.
ماذا لو خلق الواحد منا أخرسا، وكانت أسباب الموت هي  التفكير في النطق ودفع الكلمات خارج الجسد، وكلما كان عدد الكلمات أكبر كأن يفكر أحدهم في قول خطبة يكثر فيها الكذب، كانت ميتته أشنع، كأن ينفجر ويتوزع جسمه شتاتا على جدران الجيران. التفكير في الكلام، مجرد التفكير فيه، عبارة عن قنبلة متفجرة لحما
لخفت الأرض أكثر، فالناس ومن عليها متوزعون بالعدل، كل يحاول بلع بلعومه، فرادى فرادى، لما اجتمع عندها عدد هائل من البشر في حفلة للنميمة، ولما اجتمعوا أيضا في مأتم للنميمة أيضا، لما اجتمع الساسة لاقتسام المرطبات، ولما سافرت تلك السفينة الملعونة لإبادة الهنود في بعيد أرض الله من شمال إفريقية. لخفت الشوارع من العيون، ولأسرع الناس إلى هدفهم أكثر. لمات الصوت المعشش في رؤوس البعض، ولارتاحت الحقيقة وسافرت الأحلام عند فرويد، لصمت الجميع أولهم معتنقو التنمية ومذيعي الأرصاد ومتفقهي النفاق، ولارتاح التاريخ من تكرار نفسه عبثا، ولنقيت الكتب من شوائب البعض من حفظتها زورا. ولتحطم المذياع من عند نفسه، ولتفرجت التكنولوجيا على بعضها وتثاءبت مللا.
ولسكنت الديار من الحروب ولتفجر المرتزقة حتما، ولضحكت الحوريات من أشلائهم كثيرا. ولما كانت الحاجة
لهذا المعجم (سياسة دولية علاقات استراتيجية ديبلوماسية ونظرية وتكتيك عدو او صديق.. ولا وسفارات ولا حب)
غادة الطيب بلقاسم

Photo: ART.iculer

السبت، 20 يناير 2018

وجوه عائمة 3 - نصٌ قبيحٌ



سأحلم - يقولها "درويش" معلنا عن بدء جداريته.
"سأحلم، ربما اتّسعت بلاد لي". يتعالى نشيجه رافعا باسم الحياة راية تخفق رغم ضيق الشوارع، برد الضلوع والحنايا،  وقبح الظلام .
ينسحب آخر صوت أجش من حنجرته، وتتلاشى المعاني رويدا عن مفكّرتي، ليبقى الحلم.
إذن سأفعل كما فعل الجدار  برأس محمود، و"أنسى الألم".
أرتمي بجسمي إلى الوراء، وعلى مهل يرتخي رأسي نحو الجدار، أنسى الأسامي وينساني الوقت، أركز فقط على استقامة رأسي حتّى لا تقفز الوعود التي أقسمت بالمقدسات على حفظها،:كأن لا أضرب برأسي عرض الحائط، كأن لا أتراجع في خلوتي وتنساني الممرات. أستلقي هكذا في هدوء من الحياة، ساحبةً الهواء بعنف إلى رئتيّ، مُنفِسّةً التراب عن جثث مكامني،  مغمضة عيني عن الدنيا. ربما عقب كلّ هذا التعب: سأحلم.
تنفرج صفحات الرواية عن وجه غليظ الملامح، دميمهِ، ربما ذلك الوجه هو أسئلتي المعلّقة.
خليط من الأعين والأجناس. ورائحة من الماضي تفوح كريهةً. وحواراتٌ مبحوحةٌ. ودخانُ السّنين.
هي عاداتي في فتح الروايات جُملةً. مقارنَةً بذلك جنون كتّابها.
واللّيل عين اللصوص وجليس السحرة. يتربص بوعودي. ليجرني نحو الجنون.
تتهالك الشخوص متعبةً في شكل وحش آدمي.
تختلط أسماؤهم وعناوين منازلهم ويفيض الزمان من الورق.
يعاتبني بطل الرواية الأولى بأنّني سرقت الوقت منه ومنحتها لبطل الرواية الثانية.
يعاتبني الثاني بأنّني لم أكن مخلصة القراءة وأنا أفكر في مصير الأوّل.
تعاتبني أيّامي على كلّ هذا الهذر.
وتفوح من دواخلي -وأنا في ااستقالتي تلك- رائحة شواء.
يعلو الكرسي بيا نحو السماء.
أو تنخفض الأرض من تحتي.
هي عادتي التي أقسمت أيضا على التخلص منها.
ولم أفلح:
الندم.

غادة طيب بلقاسم

الأربعاء، 28 يونيو 2017

خيط الزمن

بينما أجلس، هنا، لا أزيد العالم فائدة، متبرمة من شدة الحرارة وهيجان الحشرات الجنوني، أهش الذباب وأتثاءب مللا. يجلس في جنوب هذه القارة فيل يكابد الملل مثلي، يمتص خرطومه الماء وينفثه نحو السماء، فيرتوي جسمه الأملس وينتعش. يصفق بأذنيه الكبيرتين ليطرد عنه الدود المتمعش. يكسر صمت الطبيعة من حوله باطلاق صيحاته الحادة والمتقطعة، حتى لا تنفرد به شياطينه الوسواسة وحيدا، مغرية إياه بأكل لحم الفيلة الأخرى.
بينما أحن إلى شجرة يسكنها النمل المجاهد، تعاند الزمان بوقفتها، ثبات جذعها رغم العواصف، لونها المتجدد، وظلها الوافر. أعلك الوقت المنساب من "عيني"، وأفرقع به أصواتا تخاطب العدم. أحصي منشورات إدمان القراءة و واحتساء القهوة. أترك إعجابا هنا أوهناك وأوزع القلوب دون حساب. وكتاب مركون على جانبي، يأكله غبار رقيق، ويلتهم ورقه الأصفر سوس مثقف.
غادة طيب بلقاسم

هروب

محاولة في اللاوجود.
أكون فيها كبشر العهد الأول حجما، ممسكة بعقرب الزمن بيميني، والمكان يتحول إلى واحة في شمالي. أغلق عليهما الراحات وأجلس القرفصاء، دون حركة.
يتوقف الهواء عن العبث بخصلاتي السائبة، ويتبدى يومي "فجرا طويلا" كما حدثنا المسعدي، لا ظلمة فيه ولا شمس نهار.
أن أختفي.
أن تتوقف ساعة الجدار عن العبث برأسي.
أن تشيع سكينة لا حركة بعدها ولا صوت.
أن أمشي حتى يتقطع نعلي، وأنسى لماذا بعثت في الأرض لأمشي.
أن تغيب الوجوه ومعها الأسئلة ودروس الحياة والضمير.
أن أقترب إلى السماء، ولا يعرفني فيها أحد، أضيع في زرقتها، تتركني الملائكة لما خلفت ورائي من منتظرين، إلى أن ترأف بحالي سحابة مهاجرة باعثة في روحي الندى، فأنتهي قطرة مكفرة عن ذنبها، تروي طيرا طال عطشه، وتسقي حرث أرض متشققة.
تصير الأسماء مقاطع أغنية لا أحفظها، تهزني موسيقاها الشرقية، فأصير حكاية من حكايا المجانين أو عود عنبر تحرقه النظرات السائبة، فيتبخر عطرا يداوي الروح وينزع عنها الضجر.
غادة طيب بلقاسم

الأحد، 4 يونيو 2017

هروب على وقع ال Padam

متى سأُتم معجزتي، لأطْلق طائر الدنيا. -أحمد بخيت
صوت أحذية المارة على الاسفلت يحدث وقعا منتظما أسايره -مع ارتخاءة كاملة وأنا مغمضة العينين- بهزة خفيفة من رأسي. حبات المطر عنصر ضروري لاكتمال المشهد، تنخرط القطرات المتسارعة في تشكيل لوحة ال Padam، فيزداد رأسي اضطرابا.
Cet air qui m'obsède jour et nuit
Cet air n'est pas né d'aujourd'hui
Il vient d'aussi loin que je viens
Traîné par cent mille musiciens
تختلط أصوات الأشياء بالغوغاء، وايقاعات الأحذية بحوافر الأحصنة وهي تجر عرباتها. أما صوت ال Padam Padam، تعزفه حنجرة بياف الصافية يعلو جميع الأصوات. تتعالى الذبذبات الراقصة من مقهى يروي أيام باريس القديمة.
ايقاعات رأسي ترتفع فترتفع كتفاي معها، ثم تخبو، فأستعيد سكوني. مسايرة تغيرات هذا الصخب بابتسامات متواترة، ترتفع لها الخدود أو ترتخي. المشاهد تتكثف والمارة تتسارع خطواتهم والاسطوانة تعيد ذات الأغنية. يتوقف المطر عن الهطول، مخلفا مشهد تعشقه عين الواحد، وايقاع آخر محبب، خفيف على الأذن، أقل انتظاما وأكثر دلالا، الحبات تقفز واحدة تلو الأخرى من كل مرتفع نحو القاع الصلبة.
صوت الصمت
الريح لذيذة تهتز لها قشرة الأرض
أبيض الستينيات وأسودها الداكن
ألبسة النساء الأنيقة وتسريحاتهن المرتفعة نحو السماء
قبعات الرجال وبدلاتهم ذات السراويل الفضفاضة
خوار القطط المبللة
..
أستيقظ من نشوتي، وذات اللوحة مرتسمة على وجهي. أغير الأغنية، مبقية على ميزة "تكرارالمقطوعة" على حاله. ثم أعاود الهروب نحو معجزة أخرى.
غادة طيب بلقاسم
05/06/2017

الأربعاء، 29 مارس 2017

متصوفة بربر - سحر الواحة : شنني



جالسٌ علي كرسيٍ من جذوعِ نخلِ هذه الأرض الجنوبيّة. تصِلك أنواعٌ مختلفة من الأهازيج وأصواتٌ تختلط فيها
 النبرات: من مارين بأحاديثهم الشتّى، ومن سياراتٍ فاخرة وأخرى متواضعة تفضحُ جيبَ راكيبيها ومحدوديّة قدرتهم على الكسب، ومن كائنات أخرى تُحلّق في سماء هذه الأرض الجنوبيّة فتُسمعنا أحاديثها العشوائيّة، أو رابضة على ترابِ هذه السمراء تنعمُ بشمس الله المشرقة تسكنها سكينة ساذجة وتعلوها طمأنينة أهل هذه القرية وطيبتهم وخوار لذيذ يدفعك إلى الابتسام. جالسٌ في مقهيً أو منتزهٍ من منتزهات واحةِ شنني الواقعة بين جبال الجنوب التونسيّ من ولاية قابس، المطلّة علي البحر المتوسط السابحة مع موجاته منذ القِدم، ترسم تاريخها العريق وتشهد على ما مرّ على هذه البلدة العربيّة من خيبات ونكسات، وتبتسم عقب النجاحات والانتصارات. شنني الواحة الغناء بنخيلها السامق ورُمّانها المزهر، وبتسميتها البربرية وعاداتها المُنبجسة من حضاراتٍ خصبة قد وزّعت من رحِمها خيراتها على هذه الواحة فأنجبت مزيجا ساحرا تتذكر منه مخيلتنا الفروع البربرية والمرور الروماني والبيزنطي (سد الرحى، القوص الروماني والشرشارة / معالم رومانيّة) وصولا إلى النسيج الحضاري العربي الاسلامي الشاهد على خصوصيّة هذه الرقعة الجغرافيّة الثائرة، والمضفي عليها رونقا عربيّاً صوفياً بديعاً.
وأنت تمرّ بين زقاقها الضيقة أو طرقاتها الرحبة، متفسحاً بنظرك حد المدى، مشدوها لتلك المُخيّلة، تجدُ نفسك منشدّاً إلى رونقِ المعمار في طابعه التقليديّ المُعصرن، مزيجٌ من الفَوتِ والحاضر غريب، وروحٌ مدهشة تبعثُ في دواخلك الغبطة، ربما هي رائحةُ النخيل وفعله في النفوس، ربما هي الخضرة المُطلّة بين جنبات الديار وبين شقوق الوديان وعلى ضفاف السواقي، أو هي زرقة السماء رغم فعل الانسان بها، كأنّها بذلك تتحدّى يدنا المّخربة بابتسامة مشرقة كلّ يوم، وبصفاء اِلاهي اخّاذ.
هنا، في هذه الواحة، أنت عنصرٌ من عناصرِ اللّوحة، وبطلٌ من أبطالِ الحكاية، سطرٌ حضاريٌ مُخضرم، أو أنت كما قد قال عبد الرحمن منيف "غريب" في كل مكان آخر، وفاعل ديناميكي هنا : أنت "في الأماكن الأخرى غريب وزائد، أمّا هنا إنّ كل ما تفعله ينبع من القلب يصبُّ في قلوب الآخرين. وهذا الذي يُقيم العلاقة بينك وبين كل ما حولك، لأن كل شيء هنا لك .. التفاصيل الصغيرة التي تجعل الانسان يحسّ بالانتماء والارتباط والتواصل" .
هنا، محتفلا كنت أو في مأتم، ملتصقاً بهموم الآخرين وبما قد يُفرحهم، أنت كما هم، في ترحالٍ فعليّ وحسيّ دائم، تتشارك معهم أفعالَ الفرحِ، تُؤنسُ أعراسهم بالسهرِ لثلاثةِ أيامٍ قد يسبقها الهرج والرقص بأيام اُخريات، فتتزين بحنّة هذه الأرض كما تزيَّن أهل العُرس، وتهدي الهدايا ممّا أنبتت هذه الأرض أو ما صاغته في براعةٍ أيدي النسّاجين من ملبسٍ، وما حوّلته قُدرة الانسان ومهارته من طين هذه الأرض وأحالته إلى فخّارٍ مّزركشٍ، إضافة إلى ما قد ترتديه من حُليٍّ له أبعاده الوجوديّة وهذا الارثُ القديمُ من "الخلال" و"الحوتة" و"قرن الغزال"، أو "الحولي" الأحمر الحريري (اللباس التقليديّ الجنوبيّ بربريُّ الأصلِ للنساء)، أو الجبّة المُطرّزة بالأيدي (لباسُ الرجالِ التقليديّ)، كما تأكلُ "الكُسكسي" في المحافل كما في المآتم، تعبيراً مخلصا منهم عن الفرح كما عن الحزن، وجودٌ دائم قد ميّز أهل الجنوب كافّة وكرمٌ عربيٌ عنوانه أهل شنني-قابس الواحة.
غادة طيب بلقاسم

السبت، 21 يناير 2017

هي ،، رائحة السماء

أقول أنّها شعرة التوازنِ الرقيقة
فتَحَتْ الرياح نصف فاهِها ونطَقتْ
فسقطتُ في قعرِ الجحيم
وساد الظلام
ضاعت الشعرة بين اليمين واليسار
وما ركنَت
لا هواء لأتنفسه هنا ولا جدران أستندها لأقف
وشعرة التوازن الرقيقة لم تهدأ
لأستعيد إستقامتي
أقول أنّها شعرة التوازن الرقيقة
أو هي الجناحُ ريشةً ريشة
بيضاءٌ جميعها كزفرة الصباح
وناعمة كوجهها
وهي الجناحان معا لطائر مهاجر فقد سربه
جناحاه (فقط) طريقه ،، ومنقذه
وليذهب السرب جميعه نحو الجحيم
فتتبعه حجارتي كالخيط
ولتبقى هي شعرة نجاة
أضيع إذا ما سيطرت أفكاري عليَّ
ولا يحمل رأسي غير أفكارِ الغرق
ليست هي الريشة هنا بل هي الزورق
وخيالاتي فقط هي البحر الهائج
وموج الشتاء الغاضب
وهي الهدوء
وضمير الالاه الرحيم
أضيع في بحر الخطايا وأعاود التفكير
آ شيطان داخلي وهي الخشوع
أو أنّ ضدّي يسخر منّي
أو أنّي جُننت
لا أذكر الشيء منذ إلتقينا
لا الوصايا ولا الخطب
فقط هو صوت جلل
يقول بأن هوِّني عليكِ
يخرج من أعماقي (كلّ ما قفزت ذكرياتي لترقص أمامي)
رافعا بأنّها هنا .. ليذهب السرب جميعه نحو السماء
ولتبقى هي

السبت، 26 نوفمبر 2016

هروبٌ إلى الوراء

ينبلجُ الضوء من رحمِ "العتمة" فتَخلع صفحة السماء عنها ثوب الحداد، ويتفتّحُ النهار زهرةً على الخدود. هي تنهيدة السماء عوض الجميع، هي صباحات الجميع الباكرة، هي لون الأمل ورائحة من نُحب. 
في كلِّ صباحٍ نشتهي سماعَ صوتَ (كلّّ من نحبُّ) / و(كلُّ من نحبُّ سماعََ صوتهم) (كلَّ صباحٍ): همُ "صباح الخير". أن يرافقونك بحناجرهم إلى حيث تشتهي الذهاب ولا تذهب، فتتخيّر مجالسة أصواتهم وعقد "رقية" من جناس نبراتهم فترتاح. أو حيث تأخذك "الارادة" دون أن تدري: تغادر الأرض حيثُ السحاب ممتطيا الأجل ومخلّّفا ورائك مساحة صغيرة رحيقها العمل.
عند المساء، عادة ما تُركن المشاريع المستقبلية جانبا، وتُستدعى رائحة الغبار من ثقوب الشبابيك المهملة، من شقوق الحائط الغائرة، من سقف الغرفة الخشبي .. ومن ذاكرة المجانين والمتاعيس والفيلة.
تسري "العتمة" على مهلٍ، تحوّط المكان وتتغلغل في القشور وتنفذ إلى الأفئدة. 
مساء الخير بعد الصباح.
19.35 

الخميس، 24 نوفمبر 2016

مدَدْ

وجه حالها يقول :
أبتسم وبداخلي حدائق لا تطمئن إليها غير الوطاويط.
أبتسم ليغمرني الضوء فتستحيل الوطاويط: فراشاتٍ.
أبتسم فتخنقني الفراشات، في فيض ألوانها ما يربكني.
أبتسم فتهجرني ألوانها، وتبقي الفراشات مشوهة مثلي.
أبتسم مكرهة، كي لا أسلبها (فراشاتي) الطريق بعد.
فراشاتي تبتسم بداخلي مثلي (تعلمت الابتسام منّي)
2016/11/25
19.30